الأربعاء، 22 أغسطس، 2012

فرض لا نتيجة

الناس في الشارع يعتقدون ان الابتسام ضرب من ضروب العته و يرفضون مزوالته و يصرون على اطفاء شمس يومي بوجوههم الكدِرة.

طلابي لا يبتسمون ابدا الا اذا قُمت بعمل بهلاونيّ مفاجئ لأجبرهم على الابتسام.

الأطفال لم يعودوا دائمي الابتسام كسابق عهدهم, فقط وجوه جاهمة منشغلة في الأشياء المُحيطة.

عندما كنت صغيرة لاحظت ان أهلي لا يبتسمون ابدا. بالرغم من اننا لم نكن بأي شكل من الأشكال اسرة تعيسة او شديدة الأنشغال او ما شابه.

كنت دائما اصر على الابتسام بهستيرية, حالما تذكرت, ابتسمت.

كانت هناك مرآة كبيرة في منزلنا في السعودية, و قفت امامها مرة و نظرت الى نفسي فوجدتها عابسة. رغم محاولتي للابتسام الدائم كان انعكاسي في تلك المرآة الكبيرة عابسا. بكيت لسبب لا اتذكره لكن لعلني خفت وقتها ان اتحول الى مجرد وجه عابس غير قادر على الابتسام و أموت في كابوس و انا نائمة و لا استيقظ منه ابدا.

و منذ تلك اللحظة, كنت اذا ممرت بجوار مرآة في اي مكان, اقف قليلا, ابتسم ثم امضي في طريقي.

عندما كبرت, و أصبحت طويلة بما فيه الكفاية لأرى نفسي في مرآة الحمام, اكتشفت كم تبدو ابتسامتي مُزيفة. فرحت اتدرب كل صباح امام المرآة لكي اتمكن من ان اجعل ابتسامتي تبدو حقيقية أكثر. و بالفعل نجحت. مرت السنين و أصبحت تلك الأبتسامة عالقة في وجهي و تلتزق بي تلقائيا حالما قابلت انعكاسي في مرآة كأنني القي التحية على و جهي الباسم محاولة اخباره بسعادة اللقاء.

تزوجت منذ شهرين تقريبا و أكتشفت ان زوجي لا يبتسم كثيرا لأنه ينسى معظم الوقت ان الابتسام فرض و ليس نتيجة. و كلما ذكرته يبتسم من سيريالية الطلب ثم يعاود ارتداء وجهه المعتاد.

امسكت بيده مرة و جرجرته رغما عنه الى غرفة النوم حيث مرآة السراحة الضخمة, و طلبت منه ان يتأمل نفسه مطولا حتى يبعثه شيء ما بداخله على الابتسام. ابتسم فعلا او تقريبا ضحك عندما رآني ابكي و انا انظر لنفسي بجواره في المرآة.

فقط لم استطيع مقاومة الدموع عندما اطلت النظر الى نفسي في المرآة. هذه المرة.

 كان الأمر أقرب ما يكون للنظر الى انعكاسك المُبصِر في عيون شخص ضرير و انت هو الضرير في نفس الوقت. 

 هذه المرة, عندما و قفت امام المرآة بجوار زوجي, بكيت لأنني لم ارى انعكاسه و لا انعكاسي في المرآة.

 فقط جنين صغير متكور في الظلام, عابس في بطني, يُصلي ان لا يخرج الى ارض ينسى دائما من عليها ان الابتسام فرض و ليس نتيجة. 

الخميس، 16 أغسطس، 2012

حتى يحين الشتاء

تخيل معي "
طفلا
يقف في نهايته طفل
خلفه طفل
بجانبه طفل آخر
وأمامه طفل
إلى آخره من الأطفال
تخيل
يقفون جميعاً
ويطقطقون عظم أصابعهم الضعيفة
في وقت واحد
ألا يشبه هذا
" صوت المطر؟

الأربعاء، 1 أغسطس، 2012

1:45 AM

المؤذن ينادي بعذوبة, يحاول ايقاظ كتلة ايمان ميتة بداخلي, بلا جدوى.
أشاهد زوجي ينهض للصلاة..
السجادة التي يقوم بفردها و ثنيها خمس مرات في اليوم لا تعني لي اكثر من آداة تمرين رياضي بسيط للأذرع.
المصحف الذي أُحب كثيرا, هو بمثابة قطعة ديكور قيمة لطاولة القهوة الفخمة في غرفة المعيشة.
أبلغ من العمر 23 سنة, و لم استطع المواظبة على الصلاة قط مهما حاولت.
أؤمن بالله, و باليوم الآخر, و أخاف الموت و الحساب و أصوم و أكذب و انم و أحقد كثيرا على من يمتلكون ما أريد.
ولا أُصلي.
و في احشائي قلب آخر ينبض غير قلبي. يقول الطبيب انه لجنين او دودة معوية او ما شابه. سيخرج للحياة في خلال تسعة اشهر.
و بالرغم من انني لا أكترث به البتة, و لم اقصد ابدا حدوثه, الا انني لا أريده ان يخرج للحياة -بلا ذنب منه ايضا- ليجد ان الله اختارني انا بالذات لأكون أُمه.

أنفي ليست جميلة.


الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

أحتضنوا العالم قبل ان يفقد اضلاعه الأخيرة.

الأربعاء، 4 يوليو، 2012

في الطريق


الموت بالنسبة لي شاب هرم, يرتدي عباءة شديدة السواد, يحتضن بها ضحاياه دون مقاومة منهم و يأخذهم الى هناك.

يُلاحقني منذ فترة, و قبل ان يحتضنني في عباءته, يفلتني و يذهب تاركا في نفسي ذلك الإحساس بخيبة الأمل الذي يعكر صفو فرحتي العارمة بالنجاة.

ذهبت مع زوجي الى شاليه احد اصدقائه في العجمي, تناولنا الغداء ثم اتجهنا الى الشاطئ لنجلس قليلا, انا غير مُتيمة بنزول الماء, و لكن شيئاً ما دفعني للوقوف فجأة و التوجه مباشرة الى البحر, تبعني زوجي و سألني اذا كنت اود النزول و أومأت بالايجاب.

خلع قميصه و رماه تجاه صديقه, و أخذني من يدي. كنا على مقربة من الشاطىء لأني لا استطيع السباحة. قضينا بعض الوقت في الحديث و الضحك و فجأة شعرنا ان البحر يجرفنا سحبا الى الداخل. و فجأة اكتشفنا اننا نغرق.

حاول ان يجذبني و يخرجنا و لكن قوة السحب كانت اقوى من محاولته المستميتة للخروج. هو لم يتوقف عن المحاولة, و انا علمت يقينا ان تلك نهايتي و اصبت بحالة من الهلع ساهمت بدورها في تعقيد الموقف أكثر و أكثر. و فجأة و بعد مرور حوالي عشر دقائق توقف السحب و استطعنا الخروج على اقدامنا كأن شيئا لم يحدث. تجمهر الناس و اعتقدنا انهم تجمعوا من أجلنا و لكن يبدو ان هناك اثنان اخران يغرقان في الداخل.

خرجنا نشاهد من بعيد ما كان سيحدث لنا لو ان الأمور ازدادت سوءا, الأم تصرخ و الأب يدور في دوائر حول نفسه, و نحن نشاهد في ذهول, فتاة و فتى في العشرين من عمرهم يغرقون بكل بساطة و لم يعثروا لهم على اي اثر.

اكتشفنا بعدها ان حفل زفافهم كان من المفترض ان يتم في خلال اسبوع من تاريخ غرقهم.

الموت كان في الجوار, و بالرغم اننا لم نكن المقصودين من زيارته الكريمة, الا انه قرر ان يُلقي التحية و يصافحنا في طريقه لقنص ارواح العروسين, ليريني كم هو قريب, و كيف ان محاولتي للهروب منه بلا جدوى.

الغريب في الأمر هو انه على الرغم من ان الموت هو اكبر مخاوفي في الحياة, الا ان هناك ثمة شعور غير مبرر بخيبة الأمل يلتصق بي بعد النجاة من كل تجربة موت وشيكة اقاتل فيها من اجل حياتي الى آخر نفس. كأني, في مكان شديد العُمق في نفسي, اريده ان يخبأني في عباءته و يذهب بي بعيدا.

الموت لا يحمل لي الضغائن ولكنه يراقبني, ورغم خوفي منه اسير اليه غير مُخيرة بقوة دفع ماسوشية لا يمكنني التحكم بها, أعدو هاربة منه, و في كل خطوة أقترب منه أكثر. اعلم ان الموت ليس عدوي, أعلم انني و الموت ضحايا سُنة الحياة, ومع ذلك اخافه.

اخافه لأنه يعرفني. يعرف اسمي و لون عيوني الحقيقي وعنوان سكني و على اي جنب افضل النوم ليلا. أخافه لأنه يستطيع السطو على احلامي و احالتها الى كوابيس, اخافه لأنه لا يطرق الأبواب,ولا يقرع الأجراس و لا ينتظر أحد.

اخافه لأننا أهديناه امهاتنا, و رجالنا و أطفالنا و أحب الناس الى قلوبنا و مع ذلك يبخل بطرق الباب ليلا على اب ليترك له فرصة توديع صغيرته و شرح لماذا لن يستطيع التواجد في حفل زفافها عندما تكبُر, و تقبيل جبين زوجته و اخبارها عن مكان شاحن الكاميرا الذي خبأه كي لا يعبث به الصغار.



لو دق الموت بابنا سنفتح له , فنحن لسنا بمن يرد ضيوفه ابدا.