الاثنين، 7 يوليو 2008

على جنب لو سمحت


هناك قطعة موسيقية لاسحاق بيرلمان , لطالما كان لها تأثير سحري علي .. اعشقها لدرجة انني عندما استمع اليها انسى تماما اي مشاعر سلبية انتابتني يوما , تشحني دائما بشحنة موجبة فعالة تحيلني الى كائن آخر .. تذهب بي الى عوالم اخرى مع اشخاص آخريين .. عوالم من الهدوء و الاستكانة ..






وهكذا تثير في تلك المقطوعة مشاعر نبيلة حقيقية , و تكشف جانبا من جوانب شخصيتي لم اكن لاكتشفه بمفردي


اتخيل عندما استمع اليها نفسي في ابهى و اجمل حالاتي , نظيفة , ناصعة البياض , بجوار الشخص الذي احبه على قمة بناية شديدة الارتفاع مستلقين على ظهورنا شاخصين ببصرنا الى السماوات العليا التي تتحرك في تناغم ساحر و تبدو كما لو لم ارها من قبل , ا شعر بذبذبات هدهدة تداعب خصل شعري المتطاير في الهواء , بينما تحمل النسمات همساته الي عبر الاثير .. و قد اضاء عتمة ليلنا قرص قمري غاية في البهاء ..


أتخيل ايضا حربا عارمة , اشخاص و كائنات يتقاتلون بحدة , يأكل بعضهم بعضا , جثث تتهاوى , اعناق تضرب و رؤوس مقطوعة ما زالت عيونها تطرف , احشاء ممزقة جاحظة للخارج , عويل , اطفال تائهون وسط الجثث المتناثرة , نساء تنوح , سيول من الدماء في كل مكان .. و كأنها نهاية العالم .. و لكننا بعيدون عن كل هذا , قريبين منهم لكننا لا ندور في دوائرهم .. نستمع الى هذه الموسيقى الرائعة متجاهلين ما يحدث في الاسفل , و اذا بقطرة دم تأتي طائرة لتلتصق بوجهي فلا املك سوى ان اختلس النظر الى الاسفل فأنتفض و قبل ان يصيبني الرعب يضغط في صمت على يدي , موجها رأسي في اتجاه السماء مرة اخرى , عندها اشعر بالامان و ازنق نفسي به التماسا للدفء



عظيم! ها قد فاتتني محطة نزولي كالعادة .. على جنب لو سمحت.

الاثنين، 23 يونيو 2008

جوجو

كان يا مكان , في سابق العصر و الاوان رجل دميم مشوه الخلقة , بالغ القبح .. منفر الى ابعد الحدود يدعى جوجو .. ولد في مكتبة مكتظة بالكتب , نعم , فقد كانت امه تعمل في احدى مكاتب العرب القديمة , هي جاهلة , امرأة رثة تسبح في الشواطئ اليابسة لعوالم الفقر المدقع , تحرس المكتبة و تمسح الغبار عن الكتب المهملة , منذ نعومة اظافره اصيب بنهم معرفي لم يرى له مثيلا , كان يقرأ اي كتاب يقع في يده , يشفط المعلومات منه شفطا .. كان يبيع السمك نهارا و يعتكف في المساجد ليلا , كبر هذا الجوجو العبقري و اصح رجلا مفكرا , بارع في اكثر من مجال , ناقد ساخر , عالم عبقري , يعترف بعبقريته كل من قرا او سمع له.




و كان والي بلدته رجلا حكيما يحب العلم ويحرص على تثقيف ابناءه , و في ليلة من الليالي سأل وزيره ان ياتي له بعالم بارع , يجيد شتى فنون الادب و العلوم , ليكون بمثابة معلم خاص لاولاده . نظير ان يغدق عليه الرزق .. و يجعله اغنى رجال بلدته , لم يطل تفكير الوزير و سرعان ما عصف اسم جوجو على ذهنه و هوي على لسانه كالمطر , قال.."جوجو" اعظم بني جنسه و اكبرهم عقلا و اكثرهم حنكة , لم يتردد الوالي في اصدار امر باحضار المدعو جوجو الى قصر الولاية .



وفي غمضة عين كان جوجو ينتظر امام مدخل القاعة التي يقبع بها الوالي ( تماما كما يحدث في الافلام القديمة عندما يرسل احدهم في طلب شخص ما , ونجد ان الشخص المطلوب في ارساله قد اتى به المسؤولين /الحراس/البلطجية في لمحة بصر دون الدخول في تفاصيل البحث عنه ) , كان جوجو قد علم مسبقا سبب طلب الوالي له , كان شديد السعادة بالطبع , فهي بلا شك فرصة العمر التي لا تعوض ..

دلف جوجو بتؤدة الى قاعة الاستقبال الفخمة , وبما ان رأه الوالي اصيب بضيق نفس و تملكه الاعياء و نالت منه اعراض شلل موضعي !! وسرعان ما امر بصرف جوجو . و انهال على وزيره بوابل من الشتائم و التقريظ , كيف لك ان تأتي بكل هذا القبح و الدمامة الى قصري , اردت من يعلم اولادي لا من يفزعهم حتى الموت !!

خرج جوجو مجرجرا نفسه و قد تمكن اليأس من اطرافه .. فجلس بالقرب من البحيرة , يشاهد في أسى الطبيعة الجميلة ربما استطاع الهروب من قبح نفسه .. وبينما هو جالس يداعب المياة , رأى فيها انعكاس امرأة غجرية , ذات شعر طويل , كثيفة الحاجبين .. صارخة جمال المعالم .. جذبته من جلبابه .. محاولة في اغرائه لكي يتبعها , لم يملك الا ان لحقها و هي تجري ما بين الاشجار .. مدوية عدد من الضحكات الخليعة لا بأس منه , حتى وصلا عند رجل غريب الهيئة الى حد ما .. همست الغجرية : مثل هذا .. في اذن الرجل مشيرة الى جوجو .. ثم ركضت مغادرة تعلو وجهها ابتسامة النصر , و قف جوجو لا يفهم شيئا مما حدث , سأل الرجل عن هوية هذه المرأة و ماذا ارادت .. اجابه الرجل : هي غجرية . انا دقاق اصنع الخواتم باشكال حسب الطلب , منذ يومين طلبت مني هذه الغجرية ان اصنع لها خاتما على شكل شيطان , فقلت لها لن استطيع لانني لم يسبق ان رايت شيطانا او عفريتا..

ضحك جوجو .. وانصرف الى حال سبيله .. و من يومها قرر ان يهب حياته للعلم و التاليف و الاطلاع .. لقد تصالح مع نفسه و قباحته فخرجت من تحت جعبته ابدع و اجمل الاعمال العبقرية .. التي اثرت العلم و التعليم على مجال العصور.





جوجو هو أبو عثمان عمرو الملقب بالجاحظ.





انه من اول الاشخاص على قائمتي .. لطالما كنت شديدة الاعجاب به .. تخيلت هيئته , ابتسامته الساخرة التي تنم عن ذكاء حاد , معالم شخصيته , قوة حجته , دقة ملاحظته , حرية فكره , اعتماده على التجربة والعقل , مرحه وخفة روحه و تدينه.



نيف على التسعين سنة.. وقد هدّه شلل أقعده وشيخوخة صالحة، عندما كان جالسا في مكتبته يطالع بعض الكتب المحببة إليه , فوقع عليه صف من الكتب اردته ميتاً, مات الجاحظ مدفونا بالكتب , مخلفاً وراءه كتباً ومقالات وافكاراً ما زالت خالدةً حتى الان.



ولد و مات محاطا بالكتب.. تماما كيف اريد ان اموت .. مدفونة بكتبي .



زارني الجاحظ ليلة الامس في حلمي , جلسنا نتسامر .. و كان تماما مثلما تخيلته .. سألته اذا كان يقرأ كتابتي .. لم يجبني .. فقررت ان اكتب شيئا عنه كنوع من انواع المجاملة عسى يتواضع و يتكرم و يزورني مرة اخرى.

الخميس، 19 يونيو 2008

قريحتي المتعفنة

اعتذر اذا كان اخر ما انتجته قريحتي المتعفنة قد اصابكم ببعض من الكآبة

الأحد، 15 يونيو 2008

في الحافلة



توقفت لانتظار الحافلة التي ستقلني للمنزل بعد ان امضيت فترة غير قصيرة في الخارج .. لا اعلم ان كنت قد استمتعت بوقتي حقا ,فقد ذهبت الى السينما بمفردي .. شاهدت فيلم "Iron man " الذي لم يعجبني قط , ولكن امتعني مكيف الهواء في صالة العرض , فالجو لا يطاق بالخارج.

وبينما انا واقفة , شاهدت شابا يداعب حبيبته بينما يخطف منها حقيبتها ويجري بها مبتعدا .. بدت سعيدة.. و اخر يوصل الفتاة التي بصحبته الى الحافلة ويؤكد عليها ان تتصل به عندما تصل ليطمئن عليها..


وبينما استغرقت في مراقبة المارة لفت انتباهي شاب يتحدث الى صديقه , كان مرتديا تماما ما كنت سارتديه ان كنت ولدا! وكانه يفكر مثلي , استهوتني الطريقة التي يلوح بها بيديه وهو يتحدث , ويكرر كلمة "اتفهم؟" كأنه يتحدث الى بهيم لن يفهم ما يقوله مهما كان بسيطا.. ذكرني بنفسي.

سمعته يتحدث عن الفيلم الذي شاهدته للتو , يقول انه ممل بلا معنى , بينما كان يحاول صديقه ان يقنعه بان الفيلم "جامد" و المؤثرات كانت خرافية.


انتابني شعور شديد الغرابة حيال ذلك الشاب , وكأن رائحة البحر و الاجواء الرومانتيكية قد نالت مما تبقى من عقلي.

وبعد ان فاتتني حافلتان (عمدا) جائت الثالثة تدعوني لافيق من فانتهازياتي التي لا مجال لها الان , صعدت وانا الملم ما تبقى من حيطان كيان خيالي المتهالكة.


لم اجد حتى مقعدا مناسبا بجوار نافذة , ربما استطعت ان ارى ذلك الشاب من خلالها , ولكن حدثت المعجزة عندما قررت المرأة التي كانت تجلس بجواري بالنزول , انعصفت تجاه النافذة ابحث عنه في شغف , لكنني لم اجده ابدا , تلاشى كما تلاشت احلامي.. شعرت انني فقدت جزء مني وبينما انا جالسة بصمت في جنازة حلمي.. جاء شخص ما , يريد ان يجلس على المقعد بجواري , لقد كان المقعد الخاوي الوحيد .. سالني اذا كان احد سيجلس عليه , اجبته: لا واخذت حقيبتي ..

تحركت الحافلة , جذعت لذلك , وهممت بالنزول عسى اجده في مكان ما بالقرب منها , استأذنت الشخص بان يفسح لي الطريق , وعندما وقفت رايته يوجه راسه تجاه النافذة وكانه كان يدعي الله بان اقرر النزول في اخر لحظة ليحظى هو بالمكان , وقبل ان انزل دفعني شيئ ما للتدقيق في وجهه , عندها تجمدت في مكاني , يا الهي! ا يعقل هذا؟ام انني ارى اشيائا لا وجود لها , هل فقدت عقلي تماما؟! هذا كثير !! كل ما اردته هو ان المحه من زجاج النافذة , والان ساحظى بشرف الجلوس بجواره؟


عندها هرولت عائدة الى مكاني , فافسح لي الطريق , قلت له: لن احرمك من الجلوس بجوار النافذة.. نظر لي مبتسما ابتسامة يملأها التعجب: لقد قرات ما كان يجول في خاطري.. شكرا.


جلست احملق في يديه , اعجبتني تفاصيلهما كثيرا , فانا اغرم بالايادي كما تعلم , كم تمنيت الا تتوقف الحافلة ابدا , اريد ان ابقى بجواره هكذا الى الابد ..
كم اريد ان اتحدث اليه واعرفه عن كثب ..


ولكني قلت لنفسي هكذا افضل , هكذا افضل بكثير
هو لا يعرفني , ولن يعرفني ابدا , لم اكذب عليه , ولن اكذب عليه ابدا .. وبالتالي لن يجد نفسه امام اختياريين لا معنى لهما وهما اما ان يسامحني ويسكن قلبه الشك الى الابد او ان يقرر تركي و عندها لن استطيع ان ادافع عن نفسي ولن استطيع لومه.

هو لا يعرفني , وبالتالي لن تسمى خيانته لي خيانة , ولن تجرحني اصلا , لانني لن اعلم عنها شيئا.
لن اره مجددا , سيظل في خيالي كما هو الان وبالتالي سيظل دائما كاملا , في ابهى واحسن حالاته , سيظل دائما يعجبني ..

توقفت عن التفكير عندما هم هو بالنزول , افسحت له الطريق و زنقت نفسي في مكانه بجوار النافذة , رايته وهو يغادر تبسمت عيناي بينما كانتا تودعانه في سلام.

وبعدها بدقائق قليلة جائت محطة نزولي , ترجلت عن وفي طريقي الى المنزل رحت افكر :

ان حياتي العاطفية ليست بكارثة كما كنت اظن , طالما اني مازلت اغرم , ومادام ان الحب مازال يتمكن مني بين الحين والاخر .. لا اكترث لنوعية هذا الحب او مقدار كميته مادامت تكفيني.

الثلاثاء، 10 يونيو 2008

بيتزا و مقابر ..

انتهيت من عبء الإمتحانات امس و خرجت مع اصدقائي في المساء كاعادتنا بعد نهاية موسم الامتحانات .. ذهبنا الى ذلك المركز التجاري .. من المثير للسخرية ان اسمه "حياة" بينما يقبع خلف المدافن .. اتساءل كيف لم يلحظ اي منهم ذلك.

اعشق الاماكن الهادئة التي تشعرك ببعض من الكسل والثقل فلا تعود تقوى على التفكير .. الاماكن المهجورة التي لا يوجد بها اشخاص وكانها كنز لم ينتبه اليه احد.

كنا نتحدث عن لحظات السعادة الحقيقية .. اعتقد انني اشعر بسعادة حقيقية عندما اعطس .. لا اعرف السبب ولكني اشعر بسعادة و لذة شديدتين .. لا اتذكر انه جاء يوم شعرت فيه برغبة في العطس وكبتها ابدا..

قلت لهن انني قرأت مرة انه في الوقت الذي يعطس فيه الانسان (او الحيوان) تتوقف فيه جميع اجهزة جسمه عن العمل .. حتى قلبه وكانه مات للحظات.

حتى ان عطسة في اللغة الهندية هي طو شي و تعني "الموت القصير" .

ابتسمت صديقتي قائلة اذا سر سعادتك هو في موتك؟

اجبتها لا .. بل في توقفي عن التفكير. الذي اصبح لا اراديا بالنسبة لي .. لا يمكنني منع رئسي (الطاحونة) عن العمل.

حينها شعرت برغبة ملحة في الصعود لاعلى طابق .. استأذنتهم وتحججت باني ساذهب لاجراء مكالمة ..

صعدت الى الطابق السابع .. لارى المقابر من فوق.

تذكرت انه في صغري كنت احسد هؤلاء الذين يقطنون تحت التراب في المقابر.. لم يتبقى لديهم اي سبب للانفعال , ولا يشعرون بالالم .. نفذت منهم اسباب الحياة.
يهجعون في معزل عن الكون المحسوس ليناموا وتنام وصماتهم معهم الى الابد .. وصمات الحب و الكره.. الوصمات التي نتجت عن تحجر عروقهم بعد هروب الدم منها.
ميتون و مدفونون .. ليس لديهم اي سبب للخوف لان لا شيئ الان يستطيع ايذائهم.

لكني ادركت عندما تقدمت في السن ان الموت ربما يكون اكثر تعقيدا من كونه مجرد راحة.

تخيلت عندها عالم بلا مقابر
هل سيعني ذلك ان ما من احد يموت في هذا العالم؟
ام انهم يتخلصون من الجثث بحرقها؟.
هل ستكون سماء هذا العالم زرقاء صافية ؟ ام غليظة قبيحة تفوح منها رائحة دخان اسود قميئ ؟


وقبل ان استغرق في التفكير عطست عطسة غير مبررة .. حمدت الله عليها .. و كأن الله يكافئني على خير لم افعله.

على اية حال نزلت مهرولة وعلى وجهي ابتسامة عريضة .. يجتاحني شعور غريب بالرضى .. وقت تناول البيتزا!